
على اهمية الحراك السياسي والدبلوماسي المحلي والخارجي، والتطورات المواكبة للملف الحكومي في ضوء استمرار التكهنات حيال موقف رئيس الحكومة المكلف سعد الحريري، وما اذا كان سيبادر الى الاعتذار او لا، فإن المشهد الحكومي لم يتغير ولا يزال في المربع الذي يدور في فلكه منذ تكليف الحريري التأليف. وهذا المشهد يُختَصر وفق المعلومات المتوافرة بالآتي: لا قرار بالاعتذار بعد، وتوجه الى تقديم مسودة حكومية جديدة الى رئيس الجمهورية قريباً.
اما الجديد المحول في المواقف الخارجية، بعد لقاء روما الثلاثي بين وزراء خارجية الولايات المتحدة الاميركية وفرنسا والمملكة العربية السعودية، فيمكن تلمسه في الموقف السعودي الذي تجدد قبل يومين على لسان سفير المملكة في لبنان وليد البخاري الذي اكد العلاقات اللبنانية السعودية وعدم خروج بلاده من لبنان، رافضاً “محاولات البعض العبث بالعلاقة الوثيقة بين لبنان وعمقه العربي وإدخاله في محاور اخرى تتنافى مع دستوره الذي ينص على هويته العربية والانتماء”،في اشارة واضحة وان من دون تسمية الى رفض انزلاق لبنان الى الى المحور الايراني.
في الموقف السعودي المتقدم، يلمس السعوديون المحاولات الرامية الى تحميلهم مسؤولية تعطيل تأليف الحكومة، من خلال رفضهم تكليف الحريري. وفي حين رفضوا التعامل مع هذه المسألة في المرحلة السابقة، مسجلين انسحابهم من التعاطي بالملف اللبناني عموماً والحكومي في شكل خاص، على انه شأن داخلي بحت، بدأوا يستشعرون اليوم كلفة هذا التراجع، وباتوا لا يتعاطفون مع محاولات تحميلهم مسؤولية دفع الحريري الى الاعتذار، في ظل ما يشاع في الاعلام، ولا سيما القريب من العهد بأن اعتذار الحريري اصبح مسألة وقت لأنه لم ينجح في الحصول على المباركة السعودية.
في الموازاة، دخلت الرياض الى جانب واشنطن وباريس في مرحلة ايلاء الاهتمام للملف اللبناني من باب حماية الاستقرار الامني والاجتماعي، وذلك عبر العمل على تأمين شبكة حماية اجتماعية لمنع الانهيار التام الذي يهدد بانفجار اجتماعي وأمني بدأت ملامحه تتبلور، تحت ضغط الضائقة الاقتصادية والمالية والاجتماعية. وتأتي زيارة السفيرتين الاميركية والفرنسية الى الرياض في هذا السياق.
ومع استمرار فريق العهد بدفع الحريري نحو الاعتذار، اكدت مراجع حكومية سابقة ان هذا الخيار وان كان مطروحاً لدى الرئيس المكلف، الا ان اوان اتخاذه لم يحن بعد، ذلك انه لا يزال امام الحريري خطوات يعتزم القيام بها تشكل المحاولة الاخيرة قبل الذهاب الى هكذا قرار، مشيرة الى انه خلافاً لرغبات بعبدا، يعي الحريري جيداً المخاطر الناجمة عن اعتذاره، الامر الذي لا يأخذه العهد وفريقه السياسي في الاعتبار. وتقتبس المراجع قولاً مأثوراً يعكس هذا الواقع فتقول ” فكم من يوم بكيت فيه ، فلما صرت في غيره بكيت عليه”، مشيرة الى ان ما بعد اعتذار الحريري سيكون أشد خطورة ووطأة على البلاد عما هي الحال اليوم.
تعزو المراجع كلامها هذا الى ان اعتذار الحريري سيدخل البلاد في الفراغ على مستوى تأليف الحكومة، ما لم يتم الاتفاق على مرشح بديل له، مشيرة في هذا المجال ان هناك توافقاً تاماً على مستوى نادي رؤساء الحكومات السابقين بأن أياً منهم لن يكون بديلاً للحريري وايا منهم لن يسمي بديلاً ولن يوفر غطاء لرئيس الجمهورية للسير بأي مرشح لا يحظى برضى مرجعيته الروحية والسياسية. وهذا الموقف يأتي على خلفية عدم الاذعان لشروط بعبدا المفروضة على الرئيس المكلف وأي رئيس آخر سيكلف. ذلك ان الخلاف بين بعبدا وبيت الوسط تخطى الطابع الشخصي المحض ليطال موقع رئاسة الحكومة وصلاحياتها. وعليه، فإن الاعتذار سيكون بعد ان يقدم الحريري تشكيلة الى رئيس الجمهورية، رامياً بذلك كرة التعطيل في ملعبه، بحيث يخرج من الحلبة الحكومية بأقل الخسائر الممكنة على رصيده السياسي والشعبي ليتفرغ لاستنهاض شارعه ونائبيه في الأشهر القليلة الفاصلة عن الاستحقاق النيابي.
اما عن الموقف المتقدم لرئيس “التيار الوطني الحر” النائب جبران باسيل قبل ايام عبر “النهار” بأن اعتذار الحريري خسارة كبيرة للتيار، ويحزنه الامر كثيراً، فرأت المراجع الحكومية السابقة فيه دموع “مسيلمة”، مقللة من اهمية هذا الكلام “الذي لا يصرف حكومياً، ما لم يقترن بالتزامات قابلة للتطبيق”.
وعليه، فان الايام الحاسمة التي تحدث عنها الامين العام لحزب الله بدأت تتناقص، وبدأ معها العد العكسي لإخراج للاعتذار !
المصدر: النهار




