
نشر موقع “الحرة” نقلاً عن وكالة “أسوشيتد برس” تقريراً تحت عنوان: “هل تستطيع أوروبا تجاوز عقدة الغاز الروسي؟”، وجاء فيه:
تدور نقاشات كثيرة في أوروبا حول الغاز الطبيعي خاصة مع استمرار الغزو الروسي لأوكرانيا.
وفي الوقت الذي يطالب فيه الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين بالدفع بالروبل مقابل صادراته من الغاز، تحدثت ألمانيا عن خيارات التقنين في حال انقطاعه.
وتواجه أوروبا حالة من عدم اليقين بشأن ما إذا كان من الممكن قطع الغاز الطبيعي عنها، والتسبب في ضربة كبيرة لاقتصاداتها، لكن روسيا في الوقت ذاته تعتمد أيضا على عوائد النفط والغاز لتمويل حكومتها، خاصة في ظل العقوبات على نظامها المالي.
ماذا تريد موسكو؟
ورد القادة الأوروبيون على طلب بوتين الدفع بالروبل الروسي، بالتأكيد على أن العقود تقول إن الدفع بالدولار أو اليورو، ولا يمكن لطرف واحد تغيير ذلك فجأة.
ويقول محللون إن تغيير العملة يتبعها مفاوضات مطولة، وسيطالب المشترون بضمانات تتعلق بتلقبات أسعار العملة، خاصة في حالة الدفع بالروبل وما يشهده من حالة عدم استقرار.
وقدم الكرملين ما يمكن اعتباره ثغرة في العقود، بأنه سيتعين على المستوردين ببساطة إنشاء حساب بالدولار أو اليورو في بنك معين، ثم حساب آخر بالروبل، على أن يدفع المستوردون فاتورة مقابل عقود الغاز باليورو أو الدولار، ويتم استبدال هذه الأموال بالروبل.
وقال المتحدث باسم الكرملين، ديمتري بيسكوف الجمعة إن التغيير لن يحدث بشكل آني “المدفوعات على الشحنات الجارية الآن يجب ألا تتم الآن، ولكن في وقت ما أواخر أبريل أو مطلع مايو”.
ورفض قادة الدول الأوربية الاقتراح الروسي، ووصفوه بأنه “ابتزاز”، مؤكدين أن المدفوعات ستستمر بالدولار واليورو.
من جانبها قالت المتحدثة باسم وزارة الاقتصاد الألمانية، بيات بارون إن شركة “غازبرومبانك” الروسية منحت مهلة 10 أيام لشرح الإجراءات الجديدة.
ما الذي يسعى إليه بوتين؟
يقول الكرملين إن التغيير في هذه الإجراءات ضروري لأن العقوبات الغربية جمدت احتياطيات روسيا من العملات الأجنبية.
المزايا الاقتصادية التي قد تجنيها روسيا من الناحية النظرية قد تعني زيادة الطلب على الروبل، وهو ما قد يعني دعم سعر الصرف، خاصة بعد الانخفاضات التي طالته بعد الأيام الأولى من الحرب على أوكرانيا، وهو ما قد يتطلب من “غازبروم” المصدر للغاز أن تبيع 80 في المئة من مبيعاتها بالروبل، من أجل تعزيز العملة الروسية.
ويشير الكرملين إلى أنه يريد أيضا تمديد إجراءات مدفوعات الروبل لسلع أخرى، مثل المعادن.
ستيفان مايستر، من المجلس الألماني للعلاقات الخارجية، قال “إن الدوافع قد تكون سياسية.. روسيا ليست مهتمة بوقف الغاز، للكنها تريد نوعا من النصر السياسي، تريد أن تظهر بوتين بأنه يحدد الشروط التي بموجبها يتم تصدير الغاز”.
ويرى أن هذه الإجراءات تستهدف جزئيا كسب الشعبية أمام الجمهور المحلي في روسيا، حيث يمكن لبوتين القول لشعبه “إنظروا هذه دولة معادية وعليهم الآن الدفع بموجب مخططات مختلفة”.
وأضاف مايستر: “لذا أعتقد أن الأمر يتعلق أيضا بالحصول على الدعم داخل البلاد، وتحديد من هم الأعداء”.
أوروبا وإمدادات الغاز
ووفقا لمواقع رصد مشغلي خطوط أنابيب النفط الواصلة لأوروبا، استمر الغاز في التدفق بشكل طبيعي الجمعة إلى شبكة الأنابيب الأوروبية.
وتوفر روسيا نحو 40 في المئة من احتياجاتها للغاز ونحو 25 في المئة من النفط، ولهذا نسقت الدول الأوروبية والولايات المتحدة من إجل إعفاء منسق لمدفوعات النفط والغاز من العقوبات.
ولا يشعر كثيرون بالرضى لأن أوروبا لا تزال تشتري الطاقة من روسيا، خاصة وأن حوالي 43 في المئة من الإيرادات الحكومية الروسية تأتي من مبيعات النفط والغاز، وقد يعني ذلك أن هذه الأموال قد ساعدت في دفع ثمن الدبابات والصواريخ المستخدمة في الغزو، ولكنه يعني أيضا أن لدى روسيا أسبابا قوية لعدم قطع الغاز الطبيعي عن أوروبا.
الاقتصادات الأوروبية والغاز الروسي
اقتصادات الدول الأوربية ستكافح من أجل النجاة من دون الغاز الروسي، والتأثير عليها قد يختلف بناء على مدى اعتماد الدول عليه.
مونيكا شنيتزر، أستاذة الاقتصاد بجامعة ميونيخ قالت إن ألمانيا أكبر اقتصاد في أوروبا “تعتمد بشكل كبير على إمدادات الطاقة الروسية”.
وأضافت “أن تعليق هذه الإمدادات ينطوي على خطر انزلاق الاقتصاد الألماني إلى الركود مع معدلات تضخم أعلى بشكل ملحوظ”.
وقد وصل التضخم إلى مستويات قياسية ما جعل كل شيء أكثر تكلفة، إذ أنه مدفوع بزيادة أسعار الطاقة في وقت تواجه فيه أوروبا أزمة طاقة حتى قبل اندلاع الحرب.
وتركت الأزمة الحكومات والشركات تتدافع لجمع الإمدادات من مصادر أخرى، لكنها لن تكون كافية لتغطية ما يتم استخدامه الآن إذا توقف الغاز الروسي فجأة.
وقال قادة أوروبا إنهم لا يستطيعون تحمل عواقب قطع إمدادات الغاز الفورية، وأنهم يخططون لتقليل استخدام الغاز الروسي في أسرع وقت ممكن، وأنهم يطلبون مزيدا من الغاز الطبيعي المسال الذي يأتي عن طريق السفن، إضافة إلى تسريع نشر طاقة الرياح والطاقة الشمسية.
ويسعى قادة الاتحاد الأوروبي إلى خفض استخدام الغاز الروسي بمقدار الثلثين بحلول نهاية العام وكامل بحلول عام 2027.
ألمانيا كانت قد أعلنت إنذاراً مبكراً لحالة طوارئ في مجال الطاقة، وهي المرحلة الأولى من ثلاث مراحل.
وفي حالة الطوارئ الكاملة، يجب على المنظمين الحكوميين تحديد الشركات التي ستمنع عنها إمدادات الغاز لتجنب قطعها عن المنازل والمستشفيات.
وهذا التقنين من شأنه أن يضرب الاقتصاد الأوروبي الذي يعاني بالفعل من تداعيات الحرب وارتفاع أسعار الطاقة التي رفعت التضخم إلى مستوى قياسي بلغ 7.5 في المئة.