
كتب جو متني في موقع mtv:
لن يستريح الجنود الروس في اليوم السادس من المعارك في اوكرانيا. ولا في اليوم السابع. ويدور القتال وفق توقيت ساعة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ووفق تكتيكاته الاستراتيجيّة لا غير. أمّا الحديث عن غموض في مسار العمليات العسكريّة فلا يصحّ في ميزان قوى يميل بالكامل لمصلحة الكرملين.
بوتين الذي يخوض الحرب في الحديقة الخلفيّة لبلاده، أخذ بالاعتبار حجم جيش العدو، مجمّعاً نقاط قوّته وضعفه، ومستخبراً عن مدى قدرته على الصمود. ومن المؤكّد أن الرجل الآتي من عالم الاستخبارات يهمّه تحييد المدنيّين، لأن الحكم الآتي في اوكرانيا سيكون موالياً له، كما أن اوكرانيا ستعود بشكل أو بآخر “محميّة” روسيّة – سوفياتيّة سابقاً.
لا يمكن التغاضي عن فكرة وجود مخطّط مدفوعٌ الرئيس الاوكراني فولوديمير زيلينسكي إلى تنفيذه، يقضي بجرّ موسكو إلى الأوحال الاوكرانيّة في حرب استنزاف طويلة الأمد تضعف روسيا ولا تجعلها تحقّق أهدافها. من هنا، مدّ الجيش الاوكراني بأسلحة نوعيّة مضادّة للطائرات والمدرّعات. فهل يتكرّر مشهد افغانستان وبن لادن؟
في المقابل، لا يمكن لبوتين ألا يأخذ بالحسبان هذه الاحتمالات وغيرها في حرب حسّاسة لموازين القوى والتحالفات الاستراتيجيّة في اوروبا وآسيا. حربٌ انتصاره فيها يكون انتصاراً على اوروبا والولايات المتحدة وحلف شمال الأطلسي والمعسكر الغربي، وخسارته فيها تكون ضد اوكرانيا، الدولة الصغيرة حجماً وقوّة والتي كانت تدور في فلك المنظومة الشيوعيّة السوفياتيّة. فتصبح خسارة بوتين إذا وقعت، انتكاسة كبيرة لهيبته وسطوته وطموحه لاسترجاع مكانة روسيا كقطب عالمي في وجه الولايات المتحدة.
تتوسّع التحليلات حول أسباب اندلاع الحرب وعمّا إذا سوف تطال دولاً اوروبيّة أخرى، وإذا ستُستخدم فيها أسلحة باليستيّة وغير تقليديّة، فتكون اوكرانيا حقل اختبار وتجارب لها.
أسباب النزاع غير مرتبطة فقط بفكر بوتين التوسّعي ونزعته السلطويّة كما يُصوِّره العالم الغربي. هناك عوامل عديدة ظاهرة أخرى، أبرزها شقّان: الأوّل مرتبط بالمصالح الاقتصادية والنفط والغاز والجيو – بوليتيكيّة التي لها علاقة بخطّ أنابيب الغاز من روسيا إلى اوروبا، والثاني مرتبط بالتهديد الاستراتيجي لموسكو بسبب نصب قواعد عسكرية للناتو في اوكرانيا التي يغريها الغرب الأميركي بالانضمام إلى الحلف.
يبقى التوقّف عند خبر بثّته الوكالات العالميّة – مرّ مرور الكرام – قبل يومين ولم يُطِل الحديث عنه وعن خلفيّاته. مفاد النبأ أن رئيس الوزراء الاسرائيلي نفتالي بينيت أجرى اتّصالاً ببوتين وعرض وساطة تل ابيب لانهاء النزاع بين موسكو وكييف، وأن الرئيس الروسي رفض العرض الاسرائيلي.
هذا الخبر الصغير الذي يبدو عادياً، له دلالات كبيرة، خصوصاً إذا رُبِط بيهوديّة الرئيس الاوكراني وعائلته. والده وفق ويكيبيديا، أستاذ ورئيس قسم علم التحكم والاتصال وأجهزة الحوسبة في معهد كريفي ريه للاقتصاد. والدته مهندسة. جدّه جندي. والد جدّه وثلاثة أشقاء له قُتلوا في الهولوكست. عاش زيلينسكي مدة أربع سنوات في مدينة إردينيت المنغولية. حصل على منحة تعليميّة للدراسة في إسرائيل.
السؤال المُحيّر لماذا عاش زيلينسكي في بلاد جنكزخان فترة زمنيّة؟ كيف استطاع يهودي الوصول إلى رئاسة الجمهوريّة في بلاد الأورثوذكسيّة فيها بنسبة 70% من الأصوات، مع العلم أن انتخاب الرئيس في اوكرانيا يأتي من الشعب مباشرة؟
بالعودة إلى الاتّصال الهاتفي، فإنّ عرض الوساطة ينجم عن قدرة على الاطّلاع بهذا الدور وانجاز هدفه. الأمر الذي يعني وجود تأثير اسرائيلي على الرئيس الاوكراني اليهودي. وفي التخاطب الدبلوماسيّ والرسائل المشفّرة، قد تكون تل أبيب أرسلت هذه الرسالة الى موسكو لتكشف عن دور لها في النزاع القائم، وعن شيء ترغبه من سيّد الكرملين. وقد يكون هذا الدور ردّاً ثنائياً اسرائيلياً – اميركياً على وقوف بوتين الى جانب الرئيس السوري بشار الأسد في حربه ضد الارهاب التكفيري.
بين الدول الاقليميّة والكبرى، تبقى خفايا الأمور هي المهيمنة على ما هو ظاهر. ولبنان البلد الصغير شبه العاجز عن تأمين بدائل عن مصادر القمح لسدّ حاجات مواطنيه، يطلق مواقف ويصطفّ في معسكرات لا تفيده، لا بل تجرّ عليه العداءات.



